الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

234

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لا شك أن تعبير " مغاضبا " إشارة إلى غضب يونس على قومه الكافرين ، وكان مثل هذا الغضب في هذه الظروف طبيعيا تماما ، إذ تحمل هذا النبي المشفق المشقة والتعب سنين طويلة من أجل هداية القوم الضالين ، إلا أنهم لم يلبوا دعوته الخيرة . . ومن جهة أخرى ، فإن يونس لما كان يعلم أن العذاب الإلهي سينزل بهم سريعا ، فإن ترك تلك المدينة لم يكن معصية ، ولكن كان الأولى لنبي عظيم كيونس ألا يتركها حتى آخر لحظة - اللحظة التي سيعقبها العذاب الإلهي - ولذلك آخذه الله على هذه العجلة ، واعتبر عمله تركا للأولى . وهذا هو عين ما أشرنا إليه في قصة آدم ( عليه السلام ) من أن المعصية ليست مطلقة ، بل نسبية ، أو بتعبير آخر هي مصداق " حسنات الأبرار سيئات المقربين " . ولمزيد الاطلاع راجع ما ذكرناه ذيل الآية ( 19 ) وما بعدها من سورة الأعراف . 3 4 - درس مصيري جملة كذلك ننجي المؤمنين العميقة المعنى توحي بأن ما أصاب يونس من البلاء والنجاة لم يكن حكما خاصا ، بل حكم عام مع حفظ تسلسل الدرجات والمراتب . إن كثيرا من الحوادث المؤلمة والابتلاءات الشديدة والمصائب نتيجة لذنوبنا ومعاصينا ، وهي سياط لتنبيه الأرواح الغافلة ، أو هي مواقد لتصفية معادن أرواح الآدميين فمتى ما تنبه الإنسان إلى ثلاثة أمور [ التي انتبه إليها يونس في مثل هذا الظرف ] فإنه سينجو حتما : 1 - التوجه إلى حقيقة التوحيد ، وأنه لا معبود ولا سند إلا الله . 2 - تنزيه الله عن كل عيب ونقص وظلم وجور ، وتجنب كل سوء ظن بذاته المقدسة .